محمد الغزالي

202

خلق المسلم

إن الصديق العظيم قد يقود صديقه إلى النجاح في الدنيا والفلاح في الأخرى ، أما الصديق الغبي المفتون فهو شؤم على صاحبه . وكم من غرّ قرع سنّ الندم على هذه الصحبة السيئة ، لأنها وضعته على شفا جرف هار ، فانهار به في نار جهنم . قال تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ : يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يا وَيْلَتى ، لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي ، وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا « 1 » . إن الطبع يسرق من الطبع . وما أسرع أن يسير الإنسان في الاتجاه الذي يهواه صاحبه ، وللعدوى قانونها الذي يسري في الأخلاق كما يسري في الأجسام . بل إن الروح الذي يسود المجلس قد يكون مصدره من شخص قوي ، يغمر من حوله بفيض مما يتفجر من باطنه . وقد شوهد أن عدوى السيئات أشد سريانا وأقوى فتكا من عدوى الحسنات . ففي أحيان كثيرة تنتقل عدوى التدخين من المصاب بها إلى البريء منها . ويندر أن يقع العكس . وتقديرا لهذه الآثار ، وحماية للخلق الحسن والعادات الكريمة أمر رسول اللّه بتخيّر الجليس . فقال : « مثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه . ومثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه » « 2 » . فإن كانت تلك حال الجليس الذي قد تجتمع به في لقاء عابر ، في ساعة يسيرة من ليل أو نهار ، فكيف بك مع صاحب العمر الذي يخالطك في السرّاء والضرّاء ؟ إن صداقة الأذكياء الأتقياء قد ترفع إلى القمة . أما صداقة السفهاء البله فهي منزلق سريع إلى الحضيض . قال اللّه تعالى : وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ . هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ « 3 » .

--> ( 1 ) الفرقان : 27 - 29 . ( 2 ) أبو داود . ( 3 ) الجاثية : 19 - 20 .